المقريزي
157
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
نردّ أمرهم ، ولحق بابن الزبير ناس كثير من أهل مصر ، وكان أوّل من قدم مصر برأي الخوارج حجر بن الحارث بن قيس المذحجيّ ، وقيل حجر بن عمرو ، ويكنى بأبي الورد ، وشهد مع عليّ صفين ، ثم صار من الخوارج وحضر مع الحرورية النهروان ، فخرج وصار إلى مصر برأي الخوارج وأقام بها حتى خرج منها إلى ابن الزبير في إمارة مسلمة بن مخلد الأنصاريّ على مصر . فلما مات يزيد بن معاوية وبويع ابن الزبير بعده بالخلافة ، بعث إلى مصر بعبد الرحمن بن جحدم الفهريّ ، فقدمها في طائفة من الخوارج فوثبوا على سعيد بن يزيد فاعتزلهم ، واستمرّ ابن جحدم ، وكثرت الخوارج بمصر منها وممن قدم من مكة ، فأظهروا في مصر التحكيم ودعوا إليه ، فاستعظم الجند ذلك وبايعه الناس على غلّ في قلوب ناس من شيعة بني أمية ، منهم كريب بن أبرهة ، ومقسم بن بجرة ، وزياد بن حناطة التجيبيّ ، وعابس بن سعيد وغيرهم ، فصار أهل مصر حينئذ ثلاث طوائف ، علوية وعثمانية وخوارج . فلما بويع مروان بن الحكم بالشام في ذي القعدة سنة أربع وستين كانت شيعته من أهل مصر مع ابن جحدم ، فكاتبوه سرّا حتى أتى مصر في أشراف كثيرة ، وبعث ابنه عبد العزيز بن مروان في جيش إلى إيلة ليدخل من هناك مصر ، وأجمع ابن جحدم على حربه ومنعه ، فحفر الخندق في شهر ، وهو الخندق الذي بالقرافة ، وبعث بمراكب في البحر ليخالف إلى عيالات أهل الشام ، وقطع بعثا في البرّ وجهز جيشا آخر إلى إيلة لمنع عبد العزيز من المسير منها ، فغرقت المراكب ونجا بعضها وانهزمت الجيوش ونزل مروان عين شمس ، فخرج إليه ابن جحدم في أهل مصر ، فتحاربوا واستجرّ القتل فقتل من الفريقين خلق كثير ، ثم إن كريب بن أبرهة وعابس بن سعيد وزياد بن حناطة وعبد الرحمن بن موهب المغافريّ دخلوا في الصلح بين أهل مصر وبين مروان ، فتم ودخل مروان إلى الفسطاط لغرّة جمادى الأولى سنة خمس وستين ، فكانت ولاية ابن جحدم تسعة أشهر ، ووضع العطاء فبايعه الناس إلّا نفرا من المغافر قالوا لا نخلع بيعة ابن الزبير ، فقتل منهم ثمانين رجلا ، قدّمهم رجلا رجلا فضرب أعناقهم وهم يقولون إنا قد بايعنا ابن الزبير طائعين ، فلم نكن لننكث بيعته ، وضرب عنق الأكدر بن حمام بن عامر سيد لخم وشيخها ، وحضر هو وأبوه فتح مصر ، وكانا ممن ثار إلى عثمان رضي اللّه عنه ، فتنادى الجند قتل الأكدر ، فلم يبق أحد حتى لبس سلاحه ، فحضر باب مروان منهم زيادة على ثلاثين ألفا ، وخشي مروان وأغلق بابه حتى أتاه كريب بن أبرهة وألقى عليه رداءه وقال للجند : انصرفوا أنا له جار ، فما عطف أحد منهم وانصرفوا إلى منازلهم ، وكان للنصف من جمادى الآخرة ، ويومئذ مات عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، فلم يستطع أحد أن يخرج بجنازته إلى المقبرة لشغب الجند على مروان ، ومن حينئذ غلبت العثمانية على مصر فتظاهروا فيها بسب عليّ رضي اللّه عنه ، وانكفت السنة العلوية والخوارج . فلما كانت ولاية قرّة بن شريك العبسيّ على مصر من قبل الوليد بن عبد الملك في